
قفلت السكة في وش حسين ورشفت رشفة شاي دافية، لأول مرة من خمس سنين أحس إن صدري مفتوح والنفس يدخل وينزل براحته من غير ما يكتمني تراب بيت العيلة وقرف أم حسين. المحامي كمل إجراءات قضية الخلع ونفقة والمتأخر، ورغم إن حسين كان بيحاول يماطل ويتهرب من الإعلانات القضائية، إلا إن أوراقه كلها بقت مكشوفة قدام القاضي.
في الناحية التانية، بيت حسين كان بيتولع فيه نار جهنم. العروسة الجديدة وأهلها لما عرفوا إنه ملاحق بأحكام قضائية وممكن يتحبس في أي لحظة، غير إن المليون جنيه اللي كان عازمهم عليهم طاروا، فسخوا الخطوبة وأخدوا الشونة والشبكة ورموهالك في وشه. أمه وأخته اللي كانوا فاكرين إنهم كسبوا المعركة، قعدوا ياكلوا في بعض. أخته كانت عاوزة تتجوز ومحتاجة مصاريف، وأمه رجلها اتقلت من الروماتيزم ومبقاش فيه شيماء اللي تطبخ وتغسل وتمسح وتحط الأكل تحت رجليهم وهي ساكتة.
-
متجوزه في بيت عيله حكايات روماني مكرم 2منذ 5 ساعات
بعد شهرين، كنت قاعدة في صالة بيت أبويا، الباب خبط خبطات واطية ومترددة. أخويا فتح، ولقينا أم حسين وافقة على الباب، وشها مقلوب، وجسمها اللي كان بيهز الصالة بالهون بقى مكسور وساحب لورا. كانت لابسة طرحتها بالمقلوب وباين عليها الهم.
دخلت الصالة وبصتلي، النظرة اللي كانت كلها إبر وقسوة زمان، اتحولت لنظرة ترجي ومسكنة. قعدت على طرف الكنبة وقالت بصوت مكسور:
– “يا شيماء يا بنتي.. إحنا أهلك وناسك، والحديث اللي حصل بينك وبين حسين كان ساعة شيطان. تعالي يا بنتي بيتك ومطرحك، وحسين صرف نظر عن موضوع الجوازة التانية دي خالص، وحلف إنه ما يدخل واحدة عليكي أبداً!”
ضحكت بصوت واطي، ضحكة فيها كل قسوة السنين اللي ضاعت:
– “صرف نظر؟ ولا العروسة هي اللي دلقت في وشه المية الساقعة وطفشت لما عرفت إنه طمعان في ورث غيره وما حيلتوش حاجة؟ جايين دلوقتي تفتكروا إن إحنا عيلة واحدة؟ وين الفضل اللي كنتوا بتقولوا عليه؟ وين الخدمة اللي خدمتها خمس سنين تحت رجليكي ورجل بنتك؟”
أم حسين بلعت ريقها بالعافية وقربت مني:
– “يا بنتي ارحمي حسين، ده المحكمة نزلت عليه أحكام نفقة ومؤخر مش هيقدر يدفعهم، وشرطة التنفيذ نازلة تدور عليه، وأنا سكرتيري طالع ونازل ومحدش شايل البيت. الفلوس اللي معاكي دي لو ساعدتيه بيها وحلتوا المشاكل، هنكتبلك الشقة باسمك وتعيشي ملكة!”
وقفت وحطيت إيدي في وسطي وبصيت لها من فوق لتحت:
– “أنا ملكة من غير حاجة يا حجة.. ملكة بعزتي وبفلوس أبويا اللي حامياني من جشعك وجشع ابنك. الفلوس دي مش هتدخل بيتكم، ولا حسين هيشوف مني مليم. وأنا مش راجعة للذل تاني، والورقة اللي بيني وبين ابنك هتتقطع في المحكمة بالخلع، والأحكام اللي عليه هيدفعها بالقانون أو يلبس البدلة الزرقا!”
في اللحظة دي، دخل حسين الشقة فجأة من غير استئذان، كان شكله مبهدل، دقنه طويلة، وعيونه مجهدة من الجري والهروب من الشرطة. أول ما شافني، رفع إيده كأنه يهدد، بس أخويا وقفله زي السد وحط إيده في صدره وزقه لورا:
– “إياك ترفع عينك فيها يا حسين! أنتي هنا في بيت رجالة، ومفيش واحدة عندنا !”
حسين بصلي بنظرة كلها غل وحقد، وقال بصوت :
– “أنتي فاكرة إنك كسبتي يا شيماء؟ أنا مش هطلق! وهسيبك متعلقة كدة، لا طالعة بسماء ولا نازلة بأرض، والمليون جنيه بتوعك دول مش هيخلوكي تشتري راجل يصونك!”
رديت عليه بثبات هز أركان الصالة:
#الكاتب_رومانى_مكرم_
– “أنا مش محتاجة اشتري راجل بفلوسي يا حسين، لأن الراجل الحقيقي مبيتباعش ولا بيشترى ورث مراته عشان يستر نفسه على حسابها! والتعليقة اللي بتتكلم عنها دي، القاضي هيقطعها في جلسة الخلع الشهر الجاي، وساعتها هتخرج من حياتي زي ما خرجت من حساباتي، مش حيلتك غير ديونك وأحكامك والندم اللي هيياكلك أنت وأمك طول العمر!”
حسين بص لأمه وشدها من دراعها ومشيوا وهم بيجرو أذيال الخيبة والفضائح وراهم.
وبعد أسابيع قليلة، وقفت قدام القاضي في جلسة النطق بالحكم. سمعت القاضي بيحكم بفسخ عقد الزواج بالخلع وإلزام حسين بكامل مستحقاتي القانونية وإعادة كافة المنقولات الزوجية الخاصة بي. طلعت من باب المحكمة، والشمس طالعة بتنور الطريق قدامي. بصيت للسما واتنفست بملء رئتي، وعرفت إن الحق لما يرجع، والست لما تقرر ما تنكسرش، ما فيش قوة في الدنيا تقدر تقف قدامها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
