
خرجت من باب المحكمة وأنا شايلة في إيدي حكم الخلع، سندت على السور الرخام وربنا يعلم إن دموعي اللي نزلت ساعتها ما كانتش دموع حزن على حسين ولا على الخمس سنين اللي ضاعوا في بيت العيلة، دي كانت دموع الفرج والتفتاحة اللي ربنا فتحها عليا بعد ما كنت فاكرة إن حيطة بيتهم الصماء هتفضل قافلة عليا للعمر كله.
-
عايشه في بيت عائله لروماني مكرممنذ ساعتين
رجعت البيت وأنا معقدة العزم إن كل حاجة تبعي ترجع، المحامي عمل محضر تنفيذي لإحضار المنقولات الزوجية، وحددنا يوم ومعانا قوة من الشرطة والمحضرين عشان أستلم كل حتة خشب وكل جهاز دخلت بيه.
في اليوم ده، الشارع بتاعهم كان مقلوب، الجيران كلهم طالعين في البلكونات يتفرجوا. دخلت بيت العيلة ومعايا أخويا والمحضر ورجال النقل، أول ما دخلنا الصالة الواطية، لقيت حسين واقف في زاوية ووشه أسود زي الطين، وأمه قاعدة على الكنبة بتلطم على خدودها وبتقول بصوت طالع بالعافية:
– “خرابين البيوت وصلوا! جايين تاخدوا شقا ابننا وتفضحونا قدام المنطقة؟”
المح المحامي بص للورق وقال بصوت صارم:
– “يا حجة المحكمة حكمت بإعادة كافة المنقولات المدونة في القائمة، وأي اعتراض هيعتبر تعطيل لتنفيذ حكم قضائي وهيتعمل بيه محضر مباشر!”
قربت من الأوضة وبدأت أشرف بنفسي على نقل العفش. كل حتة خشب كانت بتتشال، كان بيتشال معاها جزء من الهوان والخدمة اللي خدمتها في البيت ده. حسين كان واقف مش قادر ينطق كلمة واحدة، الشرطة كانت واقفة برة وأي حركة منه كانت كفيلة توديه في داهية، خصوصاً إن قضايا التبديد والنفقة كانت شغالة ضده وصدور أحكام الحبس بقى مسألة وقت.
وأنا واقفة في الصالة، أخته طلعت من وبصتلي بغل وقالت:
– “فرحانة أوي باللي بتعمليه؟ فاكرة إنك كدة كسبتي؟ بكيرة تدوري على راجل وما تلاقيهوش وترجعي تندمي!”
بصيت لها بكل برود وقولت لها:
– “الندم ده للي باع واشترى في كرامة الناس عشان قرشين يا حبيبتي، أنا طالعة بكرامتي وبحق أبويا، وعزتي بالدنيا كلها. عقبال ما تلاقي اللي يرضى يخش البيت ده بعد دي!”
وأحنا بنحمل آخر شنطة، حسين قرب مني والغيظ كان هيفرقعه، بصلي وقال بصوت واطي ومحروق:
– “أنتي فاكرة إنك خلاص خلصتي مني يا شيماء؟ أنا مش هسيبك تهني بالفلوس دي، والمليون جنيه بتوعك دول هيفضلوا حسرة في قلبك، والله لأخليكي تدفعيهم أضعاف أضعاف في المحاكم والمشاكل!”
وقفت قدامه بثبات ورفعت راسي:
#الكاتب_رومانى_مكرم_
– “المليون جنيه دول هيبقوا البداية لحياة جديدة أنت عمرك ما تحلم تشم ريحتها يا حسين. الفلوس دي هتتبنى بيها حياتي وكياني، وأنت هتفضل تدفع في ديونك وأحكامك لحد ما تعرف إن حق الناس مش سايب، وإن القرش الحرام والطمع بياكلوا صاحبهم قبل أي حد تاني!”
خرجت من باب الشقة وأنا بصة لقدام، وسيبتهم ورايا بياكلوا في بعض.
مرت الأيام، وبدأت أستثمر ورثي في مشروع صغير لبيع المستلزمات والملابس، وقفت على حيلي وبقيت ست عاملة وناجحة وكل الناس بتحترمها. وفي يوم، وأنا قاعدة في مكتبي في المحل الجديد، دخل عليا المحامي وبصلي بابتسامة نصر وقال:
– “يا شيماء هانم.. حسين اتقبض عليه النهاردة لتنفيذ أحكام النفقة والتبديد، وأمه بعتت ناس يترجوا عشان نعمل مصالحة ونوقف تنفيذ الحبس!”
مسكت القلم في إيدي وبصيت للورق اللي قدامي، وسألت المحامي بصوت هادي وثابت:
– “تفتكر يا متر.. اللي يتنازل عن حقه بعد كل الذل ده يبقى يستاهل القوة اللي وصلها؟”
المحامي ابتسم وقال بثقة:
– “القانون في إيدك يا شيماء، وأنتي صاحب القرار.. بس اللي يتساهل في حقه بعد كل القهر ده، يرجع يتداس عليه تاني.”
