عام

متجوزه في بيت عيله حكايات روماني مكرم 2

– “أنا مابظلمش حد يا بنت الناس، أخوكي هو اللي خرب بيته بإيده وطمعه. الفلوس اللي عليه دي حق شرعي ونفقة ومؤخر، يتدفعوا كاش ومن غير أقصاط، وساعتها بس ينتهي التبديد وتخرجوه. غير كدة، كل يوم هيقضيه جوة هيكون تمن نقطة دموع نزلت من عيني في بيتكم!”

أخته هازت رأسها ومشت تلم الفلوس من قرايبهم وتبيع الدهب اللي حيلتهم عشان تنقذ أخوها من ظلام . وبعد أسبوع كامل من التفرغ والتدوير، جمعوا المبلغ بالكامل وردوه للمحكمة بالمليم، وخرج حسين من التخشيبة زي الفراخ المبلولة، مكسور الخاطر، ضايع المستقبل، وسمعته بقت على كل لسان في المنطقة.

مقالات ذات صلة

وفي اليوم اللي خرج فيه، كنت واقفة قدام محلي الجديد، واليافطة المكتوب عليها اسمي بالنور العالي بتلمع تحت الشمس. لمحته من بعيد ماشى جنب أمه، باصص في الأرض ومكسور، ولما عينه جات في عيني بالصدفة، شاف ست تانية خالص.. غير شيماء اللي كانت بتخدم تحت رجلين أمه في الصالة الواطية.

ابتسمت ودرت وشي وادخلت مكتبي، وأنا عارفة إن المواجهة الأخيرة لقضية تصفية الحسابات النهائية وقفل الصفحات القديمة للأبد.. قربت خلاص.

مرت أيام قليلة، والشارع كله كان عايش على سيرة الدرس القاسي اللي حسين وأمه اتعلموه. المبالغ المتبقية من النفقة والمؤخر اتسددت بالكامل في المحكمة، وورقة التنازل عن القضايا اتوقعت رسميًا، وبقت كل الخيوط اللي بتزيّف حياتي القديمة مقطوعة تمامًا.

في يوم دافي مشمس، كنت قاعدة في مكتبي بمحلي الجديد، براجع دفاتر الحسابات وشحنات الملابس الجديدة اللي وصلت. دخل عليا المحامي ومعه أوراق الجلسة الأخيرة، ابتسم وهو بيحط ملف القضية المقفول على المكتب وقال:

– “مبروك يا شيماء هانم.. القضية اتقفلت نهائيًا، ومبقاش ليكي أي علاقة بحسين ولا عيلته، وكل حقوقك القانونية والمالية بقت في جيبك وفي حسابك بالكامل.”

مسكت الملف بين إيديا، حسيت كأن أكياس الرمل والهم اللي كانت مكتوفة على قلبي طول خمس سنين اتزاحت في ثواني. ردت روحي وحسيت بالطعم الحقيقي للحرية والأمان اللي حرمت نفسي منهم تحت مسمى الصبر والتحمل في بيت العيلة.

وأنا طالعة من المحل في آخر النهار، لمحته واقف على أول الشارع. حسين كان واقف برة، جنب الدكان القديم بتاعه، وشة شاحب، وهدومه مبهدلة كأنه كبر عشر سنين في كام شهر. مبقاش حسين المتجبر اللي بيزعق ويرزع الأبواب، ولا الزوج اللي بيساوم على ورث مراته عشان يجوز غيرها. كانت أمه قاعدة على الكرسي الخشب جنبه، ساكتة ووشها للأرض، لا بتهز رجلها ولا بتدب بهون، بعد ما البيت فضي عليهم ومبقاش فيه حد يخدمهم أو يستحمل تحكماتهم.

أول ما شافني جاية من بعيد، حرك خطوة كأنه عاوز يقرب أو يقول كلمة، بس وقفت بثبات وبصيت له نظرة أسرع وأبرد من الثلج. نظرة خليته يتسمر في مكانه، ويتأكد إن شيماء   في اليوم اللي قفلوا فيه الباب عليها، وإن اللي واقفة قدامه دي ست تانية خالص، عملت لنفسها كيان وعزة بفلوسها وشقاها وكرامتها اللي أبت تتنازل عنها.

لفيت وشي ومشيت في طريقي، الشارع كان واسع والنور ماليه. فكرت في المليون جنيه بتوع ورث أبويا.. الفلوس دي ما كانتش مجرد أرقام في بنك، دي كانت السور العالي اللي حماني من الجشع، والشرارة اللي بدأت بيها حياتي وشغلي ونجاحي.

#الكاتب_رومانى_مكرم_

وصلت بيت أهلي، ووقفت في البلكونة وأنا بتنفس هوا نقي. عرفت ساعتها إن أوقات القسوة في الحياة مش بتيجي عشان تكسرنا، دي بتيجي عشان تفوقنا وتعرفنا قيمتنا الحقيقية. حسين وأمه خسروا كل حاجة؛ خسروا الفلوس، والبيت، والعروسة، والسمعة، فوق كل ده خسروا الست اللي كانت شايلها على راسها ومستحملة عشانهم المر. وأنا كسبت نفسي، وكرامتي، ومستقبلي اللي بدأ يرسم لي ابتسامة جديدة صافية مفيهاش أي حسرة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى